أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

36

العقد الفريد

عن فساد ، لحديث السوء غير منقاد . وقال أعرابي : إن فلانا « نعم » للسانه قبل أن يخلق لسانه لها : فما تراه الدهر إلا وكأنه لا غنى له عنك وإن كنت إليه أحوج ؛ إذا أذنبت إليه غفر وكأنه المذنب ، وإذا أسأت إليه أحسن وكأنه المسئ . وذكر أعرابي رجلا فقال : اشترى واللّه عرضه من الذي ؛ فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى بعدها عليه حقوقا ، وكان منهاجا للأمور المشكلة إذا تناجز الناس باللائمة . ومدح أعرابيّ رجلا فقال : كان واللّه يغسل من العار وجوها مسودة ، ويفتح من الرأي عيونا منسدة . وذكر أعرابي رجلا فقال : ذاك واللّه ينفع سلمه ولا يستمر ظلمه ؛ إن قال فعل ، وإن ولى عدل . ومدح أعرابي رجلا فقال : ذاك واللّه يعني في طلب المكارم ، غير ضال في مسالك طرقها ، ولا مشتغل عنها بغيرها . وذكر أعرابي رجلا فقال : يفوّق الكلمة على المعنى فتمرق مروق السهم من الرميّة ، فما أصاب قتل ، وما أخطأ أشوى « 1 » ، وما عظعظ « 2 » له سهم منذ تحرك لسانه في فيه . وذكر أعرابي أخاه فقال : كان واللّه ركوبا للأهوال ، غير ألوف لربّات الحجال ؛ إذا أرعد القوم من غير كرّ ، يهين نفسا كريمة على قومها ، غير مبقية لغد ما في يومها . ومدح رجل رجلا فقال : كأن الألسن ريضت « 3 » فما تنعقد إلا على ودّه ، ولا تنطق إلا بثنائه .

--> ( 1 ) أشوى : أصاب الشوى ؛ والشوى كل ما ليس مقتلا كاليدين والرجلين . ( 2 ) عظعظ : مر مضطربا ولم يقصد . ( 3 ) ريضت : ذللت .